هبة الله بن علي الحسني العلوي

93

أمالي ابن الشجري

وخطر لي في نصب كُلَّ وجه مخالف للوجهين المذكورين ، وهو أن يكون قوله : كُلَّ شَيْءٍ نصبا على البدل من اسم إنّ ، وهو بدل الاشتمال ، لأن اللّه سبحانه محيط بمخلوقاته ، فيكون التقدير : إنّ كلّ شيء خلقناه بقدر ، فيكون قوله : خَلَقْناهُ صفة لشيء ، وقوله : بِقَدَرٍ متعلّقا بمحذوف ، لأنه خبر إنّ . فإن عورض هذا القول بأنّ ضمير المتكلّم وضمير المخاطب لا يبدل منهما ، لأن البدل إنما / يراد به تخصيص المبدل منه ، وضمير المتكلّم والمخاطب في غاية التعريف ، فلا حاجة بهما إلى التخصيص . فالجواب عن هذه المعارضة ، بأن الإبدال من ضمير المتكلّم وضمير المخاطب لا يسوغ إذا كان البدل هو المبدل منه ، وذلك بدل الشئ من الشئ ، وهو هو ، ويسمّونه بدل الكلّ ، وأمّا بدل الاشتمال وبدل البعض ، فيسوغان في ضمائر المتكلّمين والمخاطبين ، لأن بدل الاشتمال وبدل البعض لا يخصّصان المبدل منه ، لأنهما ليسا إياه ، ألا تراك إذا قلت : إنك كلامك يثقل عليّ ، فنصبت « كلامك » لأنك أبدلته من الكاف ، كان حسنا ، فالتقدير : إن كلامك يثقل علي ، وكذلك لو قلت : إني لأبغضك كلامك ، كان مستقيما ، وكذلك بدل البعض ، كقولك : إني أحبّك وجهك ، تريد أحبّ وجهك ، وكذلك إذا قلت : زيد يحبّنى علمي ، أردت : يحبّ علمي ، فكلام مستقيم . وقد جاء في التنزيل إبدال البعض من ضمير المخاطبين المجرور ، وأعيد في البدل حرف الجر ، في قوله تعالى : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ « 1 » فقوله : لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ بدل « 2 » من قوله : لَكُمْ

--> ( 1 ) سورة الأحزاب 21 . ( 2 ) هذا رأى الكوفيين والأخفش ، وعليه الزمخشرىّ ، ولا يجيزه البصريّون ؛ لأن الغائب لا يبدل من المخاطب ، وعندهم أن اللام في لِمَنْ متعلّقة بحسنة . الكشاف 3 / 256 ، وتفسير القرطبي 14 / 156 ، والبحر 7 / 222 . وانظر البيان 2 / 267 ، والتبيان ص 1054 .